اسماعيل بن محمد القونوي

10

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

ورتب عليه وعيد من كفر به بقوله : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] الآية ووعد من آمن بقوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 25 ] الآية بعد ظهور أمره أمر الوحي بعجز البلغاء عن آخرهم ما طعنوا فيه من ضحك اليهود كما مر قوله أي لا يترك بيان المراد هنا وسيجيء معنى الاستحياء الحقيقي واستحالته في شأنه تعالى فالمراد به هنا الترك مجازا إما مرسلا أو استعارة تبعية وسيأتي التفصيل . قوله : ( والحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها والخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقا ) انقباض النفس تغيرها عن القبيح أي عما يعاب به ويذم ولذا قال مخافة الذم فإن للنفس أي الروح كيفيات تعرض لها تبعا لانفعالات حادثة وما لم تكن ملكة راسخة لا تسمى كيفية فإن الحياء من الأخلاق الفضيلة والخلق لا يكون إلا ملكة راسخة ولهذا قال وهو الوسط بين الوقاحة إشارة إلى أن الحياء خلق حميد لأنه وسط بين الإفراط وهو الوقاحة والتفريط وهو الخجل الخ وكل صفة وخلق وقع بين الإفراط والتفريط فهو حميد وصاحبه سعيد وبهذا تبين ضعف ما قال بأن الراغب لم يفرق بين الحياء والخجل فإن الخجل على ما فسره المص تفريط مذموم والحياء كما عرفت وسط ممدوح فكيف يظن اتحادهما ومن لم يفرق فلعله فسره بما فسر به الحياء أو مراده عدم الفرق في انقباض النفس المشترك بينهما اشتراكا معنويا وإلا فالحياء من شعب الإيمان والخجالة ليس كذلك وأما الحياء لاحتشام من يستحيي منه فراجع إلى ما ذكره المص لأن احتشامه وعظمته قد يؤدي إلى فعل قبيح فلتوهم القبيح يحصل له الحياء والمراد بالقبيح في كلام المص عام للقبيح الموجود والموهوم والوقاحة بفتح الواو بزنة كراهة وكذا الوجازة والوساطة والوثاقة والوداعة وقيل الوقاحة بضم الواو كالوقوحة قلة الحياء ولعله اطلع عليه والمستفاد من كلام المص أن الوقاحة عدم الحياء وتغير اللون ونحوه ليس داخلا في مفهوم الحياء لأنه كما عرفت ملكة راسخة وكيفية نفسانية قائمة بالنفس فكيف تكون الأمور الظاهرة داخلة في مفهومه غايته أنه أمارة وعلامة على وجودها في الذهن كالغضب والفرح وقد توجد تلك الأمارة ولم يتحقق ذلك لجواز تخلف المدلول عن الأمارة كما في العكس وبالجملة جميع الأخلاق فضيلة أو رذيلة من الكيفيات النفسانية القائمة بالنفس وليس شيء من الأمور قوله : الحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم ذكر بعضهم أنه لم يرد به التعريف إذ قد يكون لاحتشام من يستحي منه بل هو في أكثر النفوس الظاهرة والحق أن الكيفيات النفسانية لا تحتاج إلى تعريف لكونها وجدانيات فإن عرفت كان التعريف لفظيا فالظاهر أنه عرفه ههنا ليبني عليه كيفية جواز اطلاقه على اللّه بحمله على المعنى المجازي لما أن حقيقته من لوازم النقص لا يليق بحاله تعالى . قوله : انحصار النفس مطلقا أي سواء كان الفعل قبيحا أو لا وسواء كان ذلك الانحصار لأجل مخافة الذم أو لا .